محمد جمال الدين القاسمي

350

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

وعدلوا إليه . والمخصوص بالذم قوله تعالى : أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ أي كفرهم بالكتاب المصدق لما معهم بعد الوقوف على حقيقته بَغْياً حسدا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ لأن ينزل ، أو على أن ينزل . أي حسدوه على أن ينزل الله مِنْ فَضْلِهِ الذي هو الوحي عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ أي يشاؤه ويصطفيه للرسالة فَباؤُ بِغَضَبٍ أي رجعوا لأجل ذلك بغضب ، في حسدهم لهذا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم حتى كفروا به عَلى غَضَبٍ كانوا استحقوه قبل بعثته صلّى اللّه عليه وسلّم من أجل تحريفهم الكلم ، وتضييعهم بعض أحكام التوراة ، وكفرهم بعيسى عليه السلام . قال الرازيّ : إن غضبه تعالى يتزايد ويكثر ويصح فيه ذلك كصحته في العذاب ، فلا يكون غضبه على من كفر بخصلة واحدة ، كغضبه على من كفر بخصال كثيرة . قلت : وفي الصحيحين عن أبي هريرة : « اشتد غضب الله على من زعم أنه ملك الأملاك لا ملك إلا الله » « 1 » . والروايات في توصيف غضبه تعالى بالشدة على بعض المنكرات متوافرة . انظر الجامع الصغير . ويحتمل المعنى . فصاروا أحقاء بغضب مترادف ، فلا يكون القصد إثبات غضبين لأمرين متنوعين أو أمور ، بل المراد به تأكيد الغضب وتكثيره لأجل أن هذا الكفر ، وإن كان واحدا ، إلا أنه عظيم . والله أعلم . وقد قدمنا في تفسير قوله تعالى : غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ أن الغضب صفة وصف الله تعالى نفسه بها . وليس غضبه كغضبنا . كما أن ذاته ليست مثل ذواتنا ، فليس هو مماثلا لأبداننا ولا لأرواحنا ، وصفاته كذاته . وما قيل : إن الغضب من الانفعالات النفسانية فيقال نحن وذواتنا منفعلة ، فكونها انفعالات فينا لا يجب أن يكون الله منفعلا بها . كما أن نفسه المقدسة ليست مثل ذوات المخلوقين . فصفاته كذلك ليست كصفات المخلوقين ، ونسبة صفة المخلوق إليه كنسبة صفة الخالق إليه . وليس المنسوب كالمنسوب والمنسوب إليه كالمنسوب إليه . كما قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « ترون ربكم كما ترون الشمس والقمر » « 2 » فشبه الرؤية بالرؤية لا المرئيّ بالمرئيّ . وهذا يتبيّن بقاعدة : وهي أن كثيرا من الناس يتوهم ، في بعض

--> ( 1 ) أخرجه البخاريّ في : الأدب ، باب أبغض الأسماء إلى اللّه ، ونصه : عن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « أخنى ( أخنع ) الأسماء يوم القيامة عند اللّه رجل تسمى ملك الأملاك » . ( 2 ) أخرجه البخاريّ في : مواقيت الصلاة ، 16 - باب فضل صلاة العصر .